إحنا بقينا عايشين حياة كلها “توقيتات” و“مراحل” و“لازم”. لازم تنجح في السن ده. لازم تلحق قبل العمر ده. لازم تبقى جاهز، مؤهل، مستقر، متزن، فاهم، ناضج، منتج. ولو تعبت؟ يقولك عادي. ولو انهرت؟ يقولك كلنا كده. ولو قلت إن روحك خلاص اتخنقت؟ يقولك: “هي دي الحياة”. هو اي الحياة اللي بقت بالشكل القاسي ده؟ إحنا بقينا روبوتات فعلًا. بنتحرك ببرامج محفوظة، وبنكرر نفس الجمل، ونطارد نفس الحاجات، ونلبس نفس الأقنعة، ونخاف من نفس التأخير، ونقيس قيمة نفسنا بنفس الطريقة المريضة. حتى الحزن مبقاش حر. لازم تحزن بوقت معين وقصير وتقوم بسرعة عشان تلحق تكمل ومتضيعش اكتر ما انت ضايع !! لازم تتعافى بسرعة عشان تبقى “شاطر”. لازم تسكت وجعك عشان الإنتاج ما يقلش. كأن الإنسان بقى مطلوب منه يدفن روحه بنفسه عشان يعرف يعيش وسط الخراب ده. والمخيف أكتر إن الناس نفسها بقت تتكلم بيأس مُقرف، كأنهم حفظوا الهزيمة وبيرددوها لبعض كل يوم “الراحة فالجنه” “الدنيا مفيهاش راحة.” “عيش وخلاص.” “هي كده.” فيه إيه يا جماعة؟ إيه اللي حصل للناس؟ إيه اللي حصل للإحساس؟ إزاي بقى الطبيعي إن الإنسان يعيش مطفي ومضغوط ومُنهك طول الوقت؟ كل حاجة بقت لازم. لازم تثبت نفسك. لازم تنتقم بنجاحك. لازم تبقى نسخة غير قابلة للمنافسة. لازم تبقى أقوى من إحساسك. لازم تبرر كل حاجة. حتى مشاعرك لازم يبقى ليها سبب منطقي ومقبول ومناسب للواقع. فين الإنسان وسط كل ده؟ وأيوه… يمكن لأول مرة في حياتي أبص للزمن ده وأحس إني غريب عنه. أحس إني اتولدت في عصر مفيهوش روح. عصر سريع زيادة عن اللزوم، بارد زيادة عن اللزوم، قاسي زيادة عن اللزوم. وأنا مش عايش في عالم مثالي، ولا مستني مدينة فاضلة. بس الدنيا فعلًا ما كانتش بالشكل المشوّه ده. زمان كان الإنسان لسه بيعرف يحس من غير ما يتحاسب على إحساسه. يعرف يتعب من غير ما يتحول لآلة. يعرف يعيش من غير ما يبقى طول الوقت بيجري وكأن فيه سوط فوق رقبته. دلوقتي كل حاجة بقت استنزاف. وكل ما الزمن يجري، الإحساس بيقل، والروح بتبهت، والناس بتقسى أكتر. والمؤلم إننا بقينا معتبرين ده “تطور”.
لا توجد نصائح بعد
قدّم نصيحة