بصراحة، كل ما كبرت، وكل ما تأملت شكل العلاقات والحياة من حواليا، بقيت أحس إن تجربة الجواز بالنسبة لي بتزداد صعوبة، مش لأن الجواز نفسه شيء سيئ، ولا لأن الناس كلها سيئة، لكن لأن الواقع بقى أكثر تعقيدًا مما يبدو من الخارج. العلاقات اليوم بقت محتاجة طاقة نفسية هائلة، ومجهودًا عاطفيًا وماديًا مستمرًا، وكل إنسان داخلها شايل تاريخه، ومخاوفه، وتوقعاته، وأفكاره، واحتياجاته الخاصة. أحيانًا بحس إن الناس كلها، رجالة وستات، بقت منهكة أصلًا من الحياة، فبقت تدخل العلاقات وهي بتدور على النجاة بقدر ما بتدور على الحب. ومع الوقت، بدأت أقتنع إن المشكلة مش في الجواز كفكرة، وإنما في طبيعة تكويني أنا. أنا لا أرى نفسي زوجًا بالمعنى التقليدي، ولا أرى نفسي أبًا، ولا أرى نفسي شخصًا قادرًا على العيش داخل منظومة قائمة على التوقعات المتبادلة بشكل يومي ومستمر. مش لأنها منظومة خاطئة، بل لأنها ببساطة لا تشبهني. أنا شخص يميل إلى العزلة أكثر مما يميل إلى المشاركة، وإلى التأمل أكثر مما يميل إلى الانخراط، وعقلي نادرًا ما يعرف السكون. لذلك أشعر أحيانًا أن ما يراه الآخرون دفئًا واستقرارًا، قد أراه أنا التزامًا يفوق قدرتي النفسية على الاحتمال. ليس احتقارًا للعلاقة، بل اعترافًا بحدودي. وربما أكثر ما ينفرني هو فكرة أن يتحول الجواز إلى محطة إجبارية في حياة الإنسان، كأنه امتحان لابد أن يجتازه الجميع بنفس الطريقة. لا أؤمن أن قيمة الإنسان تُقاس بكونه متزوجًا أو أعزب، ولا أؤمن أن النضج له شكل واحد أو مسار واحد. بعض الناس تجد ذاتها داخل الأسرة، وبعضها يجدها في طريق آخر تمامًا. وأظن أن أكثر ما تعلمته في السنوات الأخيرة هو أن الصدق مع النفس أرحم من محاولة تمثيل دور لا يناسبها. لذلك لا أرى موقفي أنانية، بل أراه نوعًا من الأمانة؛ أمانة تجاه نفسي وتجاه أي إنسانة قد ترتبط بي يومًا. لأن أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يعد بشيء يعرف في أعماقه أنه عاجز عن تقديمه. لهذا لم أعد أنظر إلى الجواز باعتباره حلمًا مؤجلًا أو هدفًا ناقصًا في حياتي، بل باعتباره طريقًا قد يكون مناسبًا لغيري أكثر مما هو مناسب لي. وإذا كان هناك شيء أتمسك به فعلًا، فهو حقي في أن أعيش وفق ما أفهمه عن نفسي، لا وفق ما ينتظره المجتمع مني. قد أكون مخطئًا، وقد تتغير قناعاتي يومًا ما، لكن حتى هذه اللحظة، أشعر أن حريتي الداخلية وسلامي النفسي أثمن من أن أضحي بهما فقط لأبدو منسجمًا مع الصورة التي يعتبرها الجميع طبيعية. أنا لا أرفض الحب، ولا أهاجم الجواز، ولا أتعالى على من اختاره. أنا فقط أعترف بأنني، حتى الآن، لم أجد نفسي داخل هذا القالب، ولا أرى أن من الأمانة أن أتظاهر بعكس ذلك. وربما يكون أغرب شعور يواجه الإنسان، أن يدرك أنه لا يريد الهروب من الآخرين بقدر ما يريد أن يبقى صادقًا مع نفسه.